الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

121

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ووقعت ما الاستفهامية بعد لام التعليل فيكون المسؤول عنه هو سبب المحاجة فما صدق ( ما ) علة من العلل مجهولة أي سبب للمحاجّة مجهول ؛ لأنه ليس من شأنه أن يعلم لأنه لا وجود له ، فلا يعلم ، فالاستفهام عنه كناية عن عدمه ، وهذا قريب من معنى الاستفهام الإنكاري ، وليس عينيه . وحذفت ألف ما الاستفهامية على ما هو الاستعمال فيها إذا وقعت مجرورة بحرف نحو عَمَّ يَتَساءَلُونَ [ النبأ : 1 ] وقول ابن معد يكرب : علام تقول الرمح يثقل عاتقي والألفات التي تكتب في حروف الجر على صورة الياء . إذا جر بواحد من تلك الحروف ( ما ) هذه يكتبون الألفات على صورة الألف : لأنّ ما صارت على حرف واحد فأشبهت جزء الكلمة فصارت الألفات كالتي في أواسط الكلمات . وقوله : فِي إِبْراهِيمَ معناه في شيء من أحواله ، وظاهر أنّ المراد بذلك هنا دينه ، فهذا من تعليق الحكم بالذات ، والمراد حال من أحوال الذات يتعين من المقام كما تقدّم في تفسير قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ في سورة البقرة [ 173 ] . و ( ها ) من قوله : ها أَنْتُمْ تنبيه ، وأصل الكلام أنتم حاججتم ، وإنما يجيء مثل هذا التركيب في محل التعجب والنكير والتنبيه ونحو ذلك ، ولذلك يؤكد غالبا باسم إشارة بعده فيقال ها أنا ذا ، وها أنتم أولاء أو هؤلاء . و حاجَجْتُمْ خبر أَنْتُمْ ، ولك أن تجعل جملة حاججتم حالا هي محل التعجيب باعتبار ما عطف عليها من قوله : فَلِمَ تُحَاجُّونَ : لأنّ الاستفهام فيه إنكاري ، فمعناه : فلا تحاجون . وسيأتي بيان مثله في قوله تعالى : ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ [ آل عمران : 119 ] . وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ تكميل للحجة أي إنّ القرآن الذي هو من عند اللّه أثبت أنه ملة إبراهيم ، وأنتم لم تهتدوا لذلك لأنكم لا تعلمون ، وهذا كقوله في سورة البقرة [ 140 ] : أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ . [ 67 ]